محمد بن جعفر الكتاني
143
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وظهرت له - رضي اللّه - عنه كرامات وخوارق عادات ، ذكر بعضها الشيخ سيدي التاودي ابن سودة المري في فهرستة ، وصاحب " سلوك الطريق الوارية " وغير واحد ، واستفاضت الأخبار بقطبانيته ، واستنارت الأرجاء بعرفانيته ، ومن الشائع أنه : كان يقول في بيت سكناه من داره بزنقة حجامة بفاس : « بيتي هذا مقامه كمقام إبراهيم ، من دخله كان آمنا » . ورأى وهو بمكة البيت يطوف به ، وقد [ 134 ] ذكر السيوطي في كتابه : « القول الجلي في جواز تطور الولي » . أن جماعة من الأولياء شاهدوا الكعبة تطوف بهم . وكان الشيخ سيدي أحمد التجاني - رضي اللّه عنه - يقول : « لم يدفن قطب بداخل سور مدينة فاس سوى مولانا أحمد الصقلي » ، وكان الشيخ سيدي التاودي ابن سودة يعترف له بالقطبانية أيضا ، ووصفه بها في " فهرسته " وقال : « أخبرني من وثقت به أنه وقع خصام مع بنت عم له وزوجها ، فجاءهما إلى الدار ليصلح بينهما ؛ فقيل للمرأة : هذا ابن عمك مولاي أحمد . فقالت كالمستهزئة وهو يسمع : جاء سيدي أحمد البرنسي ، أو سيدي أحمد الشاوي ، فقال : قولوا لها : جاءها القطب أحمد الصقلي ! » . وكان - أعني : الشيخ التاودي - يقول في آخر أمره : « ذهب من أيدينا مولاي أحمد ولم يعرف أحد قدره » . وذكر هو عن نفسه أنه : رأى في مبدأ أمره البيت ، وهو يصلى في القرويين ، ورآه منحرفا على نحو ما يصلي الناس ، وأنه قد قرأ مرة في خطوة واحدة خمسة أحزاب من القرآن ، وقال يوما للشيخ التاودي ابن سودة : « إذا عرضت لك مسألة أو دهمتك نازلة أو معضلة ؛ فقل : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك علام الغيوب . فإنها تنجلي ويسهل عليك أمرها » . وقال له يوما آخر : « كأنك ارتخيت ! » . قال : « فقلت له : نعم يا سيدي ! » . فقال : « أرى نحزم لك » . فرأيت بركة ذلك . قال : « وزرت معه القطب مولانا عبد السلام مرارا قبل الحج وبعده ، وظهرت منه أمور » . أي : كرامات وبركات . وفضائله - رضي اللّه عنه - وكراماته ، ومعارفه وأسراره وفتوحاته ، لا يفي بها القلم ، وهي بمكان الشهرة كنار على علم ، ولا زال الناس بعد وفاته يلهجون بذكره ، ويتعجبون من أمره ، يتواصون على السلوك في طريقته ، والاعتراف بالانتساب إليه من عين حقيقته ، وقد قال بعض من عاصره : « لو تتبعت كراماته لملئت منها الدفاتر ، على أنها قد بلغت من الشهرة عند الخاصة والعامة إلى رتبة المتواتر » .